
رأيت صورة لبرجٍ تحت الإنشاء في الرياض، ولأنه لم يكتمل يبقى الحكم النهائي عليه سابقاً لأوانه. لكن صورة المبنى بوضعه الحالي تجرني للحديث عن بعض المفاهيم في الهوية المعمارية ونظرية العمارة. البرج هيكل حديث، عشرات الطوابق من الخرسانة والزجاج، ثم تُلبَس واجهته كسوةً بنّيةً تحاكي لون الطين وملمسه، ثم يُقال إنه «على الطراز النجدي». فهل يكفي اللون لينتسب مبنى إلى طراز؟ وهل الهوية المعمارية شيء يُلصق في آخر المشروع؟ بمعنى آخر، هل يمكن اختيار هوية مبنى في آخر مرحلة من مراحل البناء من “قائمة هُوِيّات” ؟ وهل يمكن تغييرها بعد فترة؟ أم أن الهوية هي أساس المبنى الثقافي الذي لا يمكن تغييره، كما لا يمكن تغيير أساسه الإنشائي بعد أن يقوم؟
الهوية المعمارية ليست أسلوباً يُختار من قائمة، ولا مجموعة زخارف تُعرَّف بها منطقة. هي الأثر المتراكم لقرونٍ من حلّ مشكلات حقيقية، سواء بيئية أو ثقافية أو اجتماعية أو دينية أو اقتصادية أو أمنية وغيرها. كيف تعيش في حرٍّ يتجاوز الخمسين، وكيف تحمي خصوصية الأسرة، وكيف تبني بالمواد المتوفر في بيئتك، وكيف تنظّم علاقتك بجارك وبالشارع. الشكل النهائي للبيت التقليدي ليس قراراً جمالياً اتُّخذ ثم بُرِّر، بل هو الترسّب البصري لسلسلة طويلة من الإجابات على أسئلة المعيشة. بهذا المعنى، الطراز النجدي ليس مظهراً نجدياً، بل منطق نجدي، والمظهر مجرد نتيجة ظاهرة لذلك المنطق الخفي الذي قد لا يكون ظاهراً ولا ملموساً أصلاً.
الجدار الطيني السميك لم يكن خياراً ذوقياً، فالطين كتلة حرارية بطيئة تمتص حرّ النهار وتطلقه ببطء في برد الليل، فتلطّف داخل البيت بلا أجهزة تبريد. والفتحات الصغيرة العالية حلٌّ مزدوج، تقلّل دخول الحرارة والوهج وتحفظ خصوصية الداخل. والفناء الداخلي قلب المنزل ومنطقه التنظيمي، ينظّم الهواء حرارياً ويمنح الأسرة سماءً خاصة بها بلا انكشاف على الخارج. حتى الشُّرَف المثلثة التي صارت العلامة البصرية الأشهر للطراز نشأت وظيفياً كمعالجة لحافة السطح وتحميه من عوامل التعرية، ثم تطوّرت إلى لغة. وهذا مسار الزخرفة الأصيلة، تبدأ حلاً ثم تصير لساناً. أما المواد فقد فرضها الاقتصاد والجغرافيا قبل الذوق، فالطين والحجر والأثل هي المواد التي كانت متاحة، ومهارة البنّاء المحلي تطورت بناء على جميع هذه المعطيات. فاجتمع المناخ والخصوصية والعُرف والاقتصاد والمادة والمهارة المتوارثة فأنتجت شكلاً. الشكل تابع، والمنطق متبوع.
من وجهات النظر القيمة في هذا الموضوع ما كتبه المعماري والمؤرّخ البريطاني كينيث فرامبتون، صاحب مقاله المعروف «نحو إقليمية نقدية». فرامبتون يفصل بين معالجتين للمبنى: الأولى شكلية تتعامل مع السطح والصورة والعلامة التي تُقرأ بالعين وتُستهلك بصرياً. والثانية تكتونية تتعامل مع البنية والمادة الصادقة والطريقة التي يقف بها المبنى ويُنشأ فعلاً. ( والتكتونية في العمارة تعني وضوح الإنشاء بشكل حقيقي، أي أن يكون ما نراه هو نفسه ما يحمل المبنى ويصنع شكله، لا غلافاً يخفي بنية مختلفة تحته.) القشرة الطينية على برجٍ زجاجي مثال صارخ على النوع الأول. هي علامة تشير إلى النجدية دون أن تحمل شيئاً من منطقها. الجدار لم يعد كتلة حرارية بل غلاف رقيق على هيكل تبرّده آلة مركزية، والفتحة لم تعد إدارةً للضوء والخصوصية بل نافذة كبيرة تتبع منطق ناطحة السحاب، واللون البنّي لا يفعل شيئاً سوى أنه ينطق كلمة «تراث». وفرامبتون يحذّر من هذا تحديداً، فالإقليمية حين تنحدر إلى ديكور سطحي تصبح نقيض نفسها، لا تحفظ المكان بل تستهلكه كصورة.
يتفق ويؤكد نفس النظرة الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، في مشروعه غير المكتمل عن أركيدات باريس وكتاباته عن المدينة بوصفها عاصمة القرن التاسع عشر. بنيامين طوّر مفهوماً سمّاه الفانتازماغوريا، يصف به كيف تظهر البضاعة كصورة رغبة لامعة بينما يختفي خلفها العمل والشروط التي أنتجتها. السطح يُعرض، والأصل يُمحى. والقشرة التراثية تعمل بالمنطق ذاته. تُعرض النجدية كصورة جاهزة للاستهلاك البصري والتسويقي، بينما تُمحى تماماً الشروط التي ولّدت تلك العمارة أصلاً، أي الحر والطين والخصوصية والاقتصاد المحلي. تبقى الصورة ويُحذف ما يجعلها صادقة، فتتحوّل الهوية إلى سلعة سطحية، إلى علامة تجارية تُلصق على أي حامل.
بل إن الأمر أدقّ من ذلك. حتى النجدية التي تحاكيها القشرة ليست النجدية كما عاشها أهلها، بل صورة منتقاة منمّقة عنها. وهذا ما ينبه إليه أستاذ العمارة والتخطيط نزار الصيّاد من جامعة بيركلي في نقده لمفهوم «التقليد»، حين بيّن أن ما نسمّيه تقليدياً كثيراً ما يكون تركيباً متأخراً يُعاد بناؤه للاستهلاك لا وصفاً أميناً للماضي. فالقشرة إذن محاكاة لمحاكاة، صورةٌ عن صورة، بلا أصلٍ تكتوني في أي طبقة.
على أن المسؤولية لا تقع على ثقافة المجتمع أو رغبة المالك وحدهما. كثير من المعماريين شركاء في هذا، حين يتحوّل التصميم عندهم إلى استدعاء «هوية» جاهزة من كتالوج التريندات، تُنتقى كما تُنتقى السلعة، لأنها الأكثر رواجاً والأقدر على جذب العملاء. هنا تتحوّل الهوية من سؤال إلى أداة تسويق، ومن منطق يُبنى إلى ملصق يُباع. وقد وصف المعماري الهولندي راينير دي خراف، الشريك في مكتب OMA وصاحب كتاب «أربعة جدران وسقف»، كيف انحدرت المهنة إلى خدمة الصورة ورأس المال، حتى صار المبنى يُقاس بقدرته على التسويق لا بقدرته على حلّ مشكلة. وفي السياق ذاته يتحدث الناقد هال فوستر في كتابه «مركّب الفن والعمارة» عن تحوّل العمارة إلى مشهد وعلامة تجارية تُستهلك بالعين. والأخطر أن هذه الهوية المعروضة كثيراً ما تكون ما سمّاه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار محاكاةً بلا أصل، أي نسخةً تشير إلى صورة أخرى دون أن يكون خلفها واقع تستند إليه. وحين يتبنّى المعماري هذا المنطق يصبح هو نفسه أداةً في تسليع الهوية لا حارساً لها.
ولعل أوضح ما في المسألة أن العمارة التقليدية سارت من المشكلة إلى الحل إلى الشكل، بينما القشرة المُلصقة تسير عكس هذا تماماً. تبدأ من الشكل وتفترض أن استعادته تستعيد الهوية، بينما المشكلة التي ولّدت الشكل لم تعد قائمة أصلاً. البرج لا يعاني حرّ نجد في جدرانه لأن التكييف المركزي حلّ ذلك، فلا يحتاج كتلة حرارية، والطين عنده لون لا وظيفة. ولا يحتاج فتحات صغيرة لأن الزجاج والتقنية كفيا الحرارة والخصوصية. كل سبب وُلد منه الشكل النجدي غائب، ومع ذلك يُستحضر الشكل وحده. هذا جوهر الخلل، استدعاء جوابٍ بعد أن اختفى سؤاله. ولهذا لا يكون البرج على الطراز النجدي، لأن الطراز ليس مظهره بل علاقته بمشكلاته. وحين تغيب المشكلات ويبقى المظهر نكون أمام تنكّرٍ لا امتداد.
ولئلا يُساء فهمي، النقد ليس دعوة إلى تجميد العمارة في الطين، ولا إلى استنساخ بيوت القرن الماضي حرفياً، فهذا سقوط في الفخ نفسه من جهته المقابلة. الأجداد لم يكونوا تقليديين، كانوا واقعيين، حلّوا مشكلات زمنهم بأدوات زمنهم. والوفاء لهم ليس بنسخ حلولهم بل بمحاكاة منهجهم. وهذه فكرة عبّر عنها المعماري المصري حسن فتحي في كتابه «عمارة الفقراء» حين عاد إلى الطين لا حنيناً إليه بل لأنه كان الحل المناخي والاجتماعي والاقتصادي الأصدق لسياقه. وقبله بيّن المعماري والأنثروبولوجي أموس رابوبورت في كتابه «شكل البيت والثقافة» أن العوامل الاجتماعية والثقافية هي الحاكم الأول في تشكيل المبنى، وأن المناخ عامل معدِّل لا آمر وحيد. أي أن الهوية أصلها في حلّ مشكلات الناس، لا في تقليد أشكالهم.
فالهوية المعاصرة الصادقة تبدأ من السؤال ذاته بأدوات اليوم. كيف نلطّف الحر بكفاءة في الطاقة بدل الإفراط في التكييف، وكيف نحفظ الخصوصية بلغة معمارية حديثة، وكيف نعيد للفناء والظل والكتلة الحرارية منطقها بمواد العصر، وكيف نبني باقتصاد المكان ومهارته لا باستيراد صورته. وخذ النوافذ مثالاً قريباً. البرج لا يصير نجدياً لأن نوافذه ضُيّقت من كل جهاته وطُلي بلون الطين، فهذا استعادة لشكلٍ بلا سببه. لكنه يصير نجدياً لو ضيّقنا النوافذ في الواجهة المعرّضة للشمس التي تحتاج إلى التضييق، ووسّعناها في الجهات التي لا تحتاجه، لأنه حينها يقدّم حلاً لا مظهراً. وكذلك المادة، لن يكون نجدياً لو كُسي كله بالطين، لكنه يكون نجدياً لو بُني بأكفأ المواد في بيئته ومن بيئته. وإن بقي لنا بعد ذلك خيار اللون فاخترنا البنّي، فهو حسنٌ فوق حسن، لكنه يبقى زينة لا معياراً. فالمبنى الذي يجيب عن هذه الأسئلة بصدق سيكون نجدياً في منطقه وإن لم يكن بنّياً في لونه، والمبنى الذي يكتفي باللون البنّي لن يكون نجدياً مهما اشتدّت كسوته.
وقد يُفهم من هذا الكلام أن الدعوة إلى عمارة معاصرة تنطلق من منطق المكان تعني التخلي عن التراث أو رفض إعادة إنتاجه، وهذا غير مقصود. فحفظ التراث له مجال مختلف تماماً عن تصميم العمارة الجديدة، وله أدواته ومبادئه المعروفة في المحافظة العمرانية، وأهمها صيانة المباني التاريخية وترميمها وإعادة تأهيلها بما يحفظ أصالتها وقيمتها، أو إعادة بناء نماذج تراثية في مواقع تنسجم مع سياقها التاريخي والثقافي. وهذا ما نراه، على سبيل المثال، في أعمال المحافظة على حي الطريف وقصر المصمك، حيث يكون الهدف حفظ التراث نفسه لا استعارة صورته. أما أن تُكسى مبانٍ معاصرة بقشرة تراثية لتبدو وكأنها تنتمي إلى طراز تاريخي، فذلك ليس حفظاً للتراث، بل استحضاراً لصورته خارج السياق الذي منحها معناها.
وهنا أعود إلى سؤالي الأول: الهوية ليست خياراً يُؤجَّل إلى آخر مرحلة، ولا واجهةً تُبدَّل متى شئنا، بل هي أساس المبنى الثقافي. تُصبّ مع القرار الأول كما يُصبّ الأساس الإنشائي، ويقوم عليها كل ما بعدها. أما التراث فمكانه أن يُحفظ ويُرمَّم ويُنقل إلى الأجيال بأمانة، لا أن يتحول إلى قشرة تُلصق على عمارة لا تشاركه منطقه. فلا تعارض بين الأمرين؛ فمن واجبنا أن نصون عمارتنا التاريخية كما ورثناها، ومن واجبنا أيضاً أن نبني عمارة معاصرة تستحق أن يرثها من يأتي بعدنا. الأولى تحفظ ذاكرة المكان، والثانية تصنع مستقبله. وحين تختلط الوظيفتان نفقد الاثنين معاً؛ فلا نحفظ التراث كما ينبغي، ولا ننتج هوية جديدة صادقة.
فالهوية تُبنى من الداخل إلى الخارج، من المشكلة إلى الحل ثم إلى الشكل. أما حين تُلصق من الخارج، فما نراه ليس هويةً معمارية، بل قشرةً تسويقية، لا أكثر ولا أقل.
اترك تعليقاً